العيني

138

عمدة القاري

عرض الذنوب والتوقيف على قبيح ما سلف له تعذيب وتوبيخ . والآخر أنه مفض إلى استحقاق العذاب ، إذ لا حسنة للعبد يعملها إلاَّ من عند اللَّه وبفضله وإقداره له عليها وهدايته لها ، وأن الخالص لوجهه تعالى من الأعمال قليل ، ويؤيده قوله : يهلك مكان عذب . قوله : ( يسيراً ) أيَّ سهلاً هيناً لا يناقش فيه ولا يعترض بما يشق عليه كما يناقش أصحاب الشمال . فإن قلت : ما وجه المعارضة ههنا أعني بين الحديث والآية ؟ قلت : وجهها أن الحديث عام في تعذيب من حوسب ، والآية تدل على عدم تعذيب بعضهم ، وهم أصحاب اليمين ، وجوابها أن المراد من الحساب في الآية العرض يعني : الإبراز والإظهار . وعن عائشة ، رضي الله عنها ، هو أن يعرف ذنوبه ثم يتجاوز عنه . قوله : ( من نوقش ) المعنى : أن التقصير غالب على العباد ، فمن استقصي عليه ولم يسامح هلك وأدخل النار ، ولكن الله تعالى يعفو ويغفر ما دون الشرك لمن شاء . وقيل إن المناقشة في الحساب نفسها هو العذاب ، لما روي عن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، أنه قال : ( من يحاسب يعذب . فقيل : يا رسول الله فسوف يحاسب حساباً يسيراً . قال : ذلكم العرض ، من نوقش في الحساب عذب ) . وفيه نظر ، لأن قوله ، عليه الصلاة والسلام : ( من يحاسب يعذب ) . وقوله : ( من نوقش في الحساب عذب ) يدل على أن من حوسب عذب سواء بمناقشة أو لا ، ولا يدل على أن المناقشة في الحساب نفسها عذاب ، بل المعهود خلافه ، فإن الجزاء لا بد وأن يكون سبباً عن الشرط ، والجواب : أن التألم الحاصل للنفس بمطالبة الحساب غير الحساب ومسبب عنه ، فجاز أن يكون بذلك الاعتبار جزاء . بيان اسنتباط الأحكام : الأول : فيه بيان فضيلة عائشة ، رضي الله عنها ، وحرصها على التعلم والتحقيق ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتضجر من المراجعة إليه . الثاني : فيه إثبات الحساب والعرض . الثالث : فيه إثبات العذاب يوم القيامة . الرابع : فيه جواز المناظرة ومقابلة السنة بالكتاب . الخامس : فيه تفاوت الناس في الحساب . 37 ( ( بابٌ لِيُبَلّغِ العِلْمَ الشَّاهِدُ الغائبَ ) ) أي : هذا باب ، وهو منون قطعاً . قوله : ( ليبلغ ) أمر للغائب ، ويجوز في الغين الكسر لأن الأصل في الساكن تحريكه بالكسر إذا حرك ، والفتح لأنه أخف الحركات ، ولا يجوز غير ذلك ، و : الشاهد ، بالرفع لأنه فاعل : ليبلغ ، وقوله : العلم والغائب ، منصوبان على أنهما مفعولان له . والتقدير : ليبلغ الشاهد الغائب العلم والشاهد الحاضر من شهد إذا حضر . وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب السابق مراجعة المتعلم أو السامع لضبط ما يسمعه من العالم ، وفيه معنى التبليغ من المراجع إليه إلى المراجع ، فكأن المراجع كان كالغائب عند سماعه حتى لم يفهم ما سمعه وراجع فيه ، وهذا الباب أيضاً فيه تبليغ الشاهد الغائب ، فتناسبا من هذه الحيثية . قَالَهُ ابنُ عَبَّاسٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أي : رواه عبد اللَّه بن عباس ، رضي الله عنهما ، وهذا تعليق ، ولكنه أسنده في كتاب الحج في : باب الخطبة أيام منى ، عن علي بن يحيى بن سعيد عن سعيد بن غزوان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خطب الناس يوم النحر فقال : أيها الناس ! أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام . . . ) وفي آخره : ( اللهم هل بلغت ؟ اللهم هل بلغت ؟ ) قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده إنها لوصية إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب ، وذكر الحديث . وقال أبو داود : حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير عن الأعمش عن عبد اللَّه ابن عبد اللَّه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( تسمعون ويسمع منكم ويسمع من يسمع منكم ) . وقال بعضهم : وليس في شيء من طرق حديث ابن عباس بهذه الصورة ، وإنما هو في روايته ورواية غيره بحذف العلم ، وكأنه أراد بالمعنى ، لأن المأمور بتبليغه هو العلم . قلت : ليس كذلك ، بل هو مثل ما في الحديث المذكور ، غاية ما في الباب أنه أبرز أحد المفعولين الذي هو مقدر في الحديث ، وهو لفظة : العلم . 104 حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ : حدّثني اللَّيْثُ قالَ : حدّثني سَعِيدٌ عنْ أبي شُرَيْحٍ أنَّهُ قالَ لِ عَمْرِو بنِ سعِيدٍ ، وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلى مَكَّة : ائْذَنْ لِي أيُّهَا الأمِيرُ أحَدّثْكَ قَوْلاً قامَ بِهِ النبيّ